الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

قصة عذرا أبي

 قصة قصيرة

كتبها: مسعود علي محمد المعمري

عذراً أبي

حمم من براكين الأسى ولوعة حرمان حنان الأب تنساب على وجنتيه الطرية، كان دائماً وحيداً يتجنب مخالطة أقرانه بسبب فعلة أبيه الشنيعة التي بسببها فقد الابن أباه وتيتم الابن من أباه وهو حي.

رجع خالد إلى البيت بعدما غسل وجهه البريء بدموع الحرمان، كانت أمه الطبية على الباب وعندما رأته لمحة البؤس في عينيه فابتسمت له وفي داخلها لوعة وضمته إليها، وقالت له ما رأيك أن نذهب لزيارة والدك؟ فكهذا ما كتب عليه في حين أن من في عمره يذهبون إلى الأهل والجيران لأخذ العيدية يذهب هو إلى المنشآت العقابية.

فما قصة الأب؟ ولم هو خلف القضبان؟ نسرد الوقائع كالتالي:

اسمه سالم كان وحيد أبويه والذي رزقهما الله به بعد أمد من الانتظار، تأملا به خيراً فسخرا نفسيهما ووقتهما ومالهما في سبيل اسعاده فهو الابن الوحيد، وزادا في تدليله فزاد في دلعه.

كبر سالم وكبرت أمانيهما فيه خاصةً بعد أن كان يتجاوز الصفوف والمراحل الدراسية بتفوق، حتى حصل على شهادة الصف الثاني ثانوي.

وفي الاجازة الصيفية تعرف على صديق جديد فصارا متلازمين في الخروج والذهاب هنا وهناك وفي إحدى المرات صحبه ذلك الصديق إلى بيت أحد أصدقاءه فوجدا شلة الفساد مجتمعه يدور بينهم كأس الشقاء وبعد التعرف على شلة الأنس، دعوه لمشاركتهم ملذاتهم ولكنه تخوف من التجربة لهذا رفض العرض، فعرضوا عليه تدخين السجائر لأنها للرجال ويرو أنه رجل ويستحقها فجربها حتى يثبت لهم أنه رجل ولا يسقط من أعينهم.

وتكررت الزيارات وقويت العلاقة بينهم حتى شاركهم كل ملذاتهم الوهمية، فكان يسهر لأوقات متأخرة من الليل والوالدان لا يجرآن على سؤاله خوفاً من زعله.

وفي إحدى المرات اقترح أحدهم فكرة السفر إلى البلاد الفلانية فوافق الجميع عدا سالم الذي لم يبدي موافقته بعد فراح كل منهم يصور له العيش والحرية وما بتلك البلد من مناظر خلابة، وعندما رأوا تردده قال واحد منهم صاحبنا يخاف أن يرفض والداه لأنه طفلهما الصغير فضحك الجميع، عندها انتفض سالم وقال أنا رجل ولست 

بطفل وسأذهب معكم، وعندما أبلغ أبويه عن نيته للسفر لم يستطيعا إلا تلبية رغبته.

وتم السفر ووصل الفتيه إلى تلك البلد الأجنبية فجربوا كل الملذات الدنيوية، حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة حيث أحضر أحدهم قطعة من مخدر الحشيش وأخذ يمدح بها حتى تهافتت النفوس لتجربتها، فجربها الجميع بما فيهم سالم حتى أصبحوا لا يطيقون عنها صبراً.

ورجع الصحب للبلد وهم في نشوة الرحلة الباسمة ولكن هل ستطوى صفحة هذه الرحلة وستكون من الذكرى ويعود كل شيء كما السابق وماذا بعد أن بات سم الحشيش يجري بالعروق ويخالط الدم.

لهذا حث الأصدقاء في البحث عن مخدر الحشيش ونالوا ما أرادوا وابتدأ العام الدراسي إلا أن سالم بعد أن كان من المتفوقين أصبحت نتائجه في انحدار وهو في المرحلة النهائية من الدراسة الثانوية، لاحظ الوالدان ما آل إليه حال ابنهما من سهر واهمال للدراسة ولعلاج هذه المشكلة فكرا بتزويجه لأن الزواج حسب اعتقادهما مسؤولية وسيحد ذلك من سهره خارج البيت وسيشكل عامل ضغط للاستقرار والالتفات إلى البيت والتفكير في مستقبله الذي أضحى بالهاوية.

وفعلاً وجدت الأم ضالتها في مريم بنت الجيران، تلك الشابة الهادئة الخلوقة فتمت مفاتحة سالم بموضوع الزواج والذي أيده بالطبع حتى يظهر أمام الشلة رجل وقد نال ما لم ينالوه بعد، وبسرعة تم عقد القران والزواج.

وفي ليلة زواجه جاءه رفقاء السوء فابتاع منهم السم القاتل وتوارى بخلفية البيت وأخذ يتعاطى هذا السم والزوجة في انتظاره بكامل زينتها، وبعد قليل سمعت خطوات قادمة فشاحت بوجهها عن الباب وإذا بهذه الجثة ترتمي على السرير، فأدارت وجهها لتراه زوجها الشاب بحالة مزرية والرائحة الكريهة تفوح منه، تفاجئت المسكينة لكن سرعان ما لملمت مشاعرها حتى إذا أصبح النهار وجاء الأهل للمباركة أظهرت ابتهاجاً كاذباً لتوحي لهم أنها سعيدة.

وهكذا غدت أيامها سالم يسهر عنها مع رفقاء السوء ويذهب الصباح للمدرسة وهو غير مدرك لما حوله، حتى ظهرت النتائج النهائية وسالم راسب ذلك الشاب المتفوق في الأعوام الماضية لم يحتصل على الشهادة الثانوية.

لكن سالم لم يكن ليهمه ذلك بل على العكس فقد طلب من والديه أن يمداه بالنقود لأنه يريد السفر مع أصدقاءه لكنهما ولأول مرة يرفضا طلبه، فهم بالخروج من البيت وهو يقذفهما بأبشع الألقاب، وحين اعترضت زوجته الطيبة على كلامه ونصحته باتباع الأدب معهما، انهال عليها بالضرب وخرج من البيت.

وذهب لأصدقائه طالباً منهم قطعة حشيش حتى يهدأ الصداع الذي يكاد يقتله، لكنهم امتنعوا عن اعطاءه لأنه لا يملك المال، فأخذ يتسول إليهم ويترجاهم ليساعدوه.

وفي النهاية اقترحوا عليه أن يبيع لهم بضاعة وله نصيب منها فوافق على الفور، ومن سوء حظه أنه عرض البضاعة على أحد رجال مكافحة المخدرات وهو متخفي فتم إلقاء القبض عليه بتهمة التعاطي وتجارة المخدرات.

فكان لذلك الخبر كوقع الصاعقة على الأبوين حيث أصيبت الأم بنوبة قلبية توفيت على أثرها بعد أيام قليلة، وأصيب الأب بالشلل، أما الزوجة الطيبة فأصبحت لا تبارح منزلها خجلاً.

وبعد شهرين أتى إلى الدنيا زائر برئ قد لحقه عار أبيه، ولقب ابن تاجر المخدرات يكاد لا يفارقه. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حكاية يوم من الماضي

    { حكاية يوم من الماضي } { مسعود علي المعمري }   استيقظ الأخوان وتغسل...