السبت، 1 مايو 2021

قصة مغترب

 


خرج من قريته الفقيرة باحثاً عن فرصة لتحسين معيشته ومعيشة من يعيل حيث كان له أبوان على قيد الحياة وهو الإبن الوحيد لهما، وقد كان يعيش حياة مجحفة العطاء فليس في تلك القرية ما يمكن أن يساعده على العمل وتوفير قوت اليوم لأبواه.

خرج ابن السادسة عشر مستودعا والديه اللذين كانت دموعها شررُ تنحت خديهما، خرج مكسوراً مجبرا، خرج إلى المجهول لأنه لا يعلم بأسرار وغموض ما ينتظره وهذه هي المرة الأولى التي يخرج منها من قريته التي تربى بها وعاش بها.

وصل إلى المدينة لكن حالها لم يكن بأفضل حال من قريته، فبلاده الغير عربية كانت تعاني العوز وقلة فرص العمل.

نعم بلاده غير عربية ، لهذا أشار عليه البعض بالهجرة الغير مشروعة إلى إحدى دول الخليج وبخاصة أن لهجته العربية ويستطيع التحدث بها بطلاقة لأنه يستمد جذوره العربية من أجداده العرب المهاجرين إلى تلك البلد من سنوات طويلة.

لم يكن بيده أي خيار آخر سوى الموافقة، لكنها كانت مخاطرة بحد ذاتها بالإظافة إلى أنه قد لا يستطيع العودة لوطنه وزيارة والديه مرة أخرى.

ركب في قارب متوسط السعة وبدأ الرحلة وبدأت أمواج البحر الغاضبة تضرب ذلك القارب وكل من فيه يدعوا أن الله ينجيهم، وقد استمرت الرحلة مدة اليوم في البحر ولهيب الشمس يقسوا أكثر وأكثر، كأنه جلاد أصم لا يسمع التوسلات.

وصل ذلك القارب لتك البلد الخليجي فكان في استقباله أحد معارفه، فأخذه معه وقد عمل مسبقاً على تأمين عمل له تحت بند البدون ( من لا يحمل جنسية أي دولة).

عمل صاحبنا سنتين في تلك الوظيفة وكان يثابر على إرسال النقود إلى والديه باستمرار ليعينهما على مشقة الحياة ويريحهما في كبرهما.

وكان مجتهداً في عمله، مواضباً على أداء كل ما يوكل إليه من مهام، وفي ذهنه أن يستطيع أن يجمع مبلغاً من المال والعودة ليعيش تحت كنف والديه.

وفي يوم الأيام أتى إليه فريبه ليخبره بوفاة أمه، فانهالت الدموع على وجنتيه وبات حزيناً لعدم تمكنه من رأيت أمه ودفنها، فكان ذلك الشعور كالجبل يحمله على ظهره وكناقوس يصم أذنيه.

مضت الأيام والأشهر وصاحبنا لا يزال في حزنه، لهذا فقد كان يولي العمل جل وقته حتى ينسى.

وبالفعل تمكن من تجاوز تلك الأزمة والاستمرار في العمل بهدف وحيد وهو إدخار المبلغ الملائم للعودة إلى والده والاعتناء به.

وبالفعل كاد أن يدرك مبتغاه ولم يتبقى له الكثير، لكن سحائب المصائب أبت إلا أن تهتل عليه مجددا، فقد أتاه الصدم الذي دمر شيئاً من كيانه وهو خبر وفاة والده.

كان الأب هو الدافع للمحاربة لأجل العيش وبفقده فقد الكثير من الثقة والرغبة بالاستمرار وتدنى مستوى المسؤولية والرغبة في الكفاح لديه، حتى بات لا يعطي العمل أو الحياة أهمية، لهذا وفي يوم الأيام حصل سوء تفاهم بينه وبين مسؤوله وذلك لإهماله وعدم إكتراثه، فقام بالشجار مع المسؤول، بعدها تم فتح سجل جنائي بحقه والحكم بمغادرة البلد.

بعدها وبطريقة غير مشروعة استطاع دخول بلد خليجي آخر، لأنه لم يعد بإمكانه الرجوع لبلده بسبب عدم حمله ما يثبت ذلك، وليس لديه من يرجع إليهم.

عاش بتلك البلد الخليجي فترة من الزمن حتى وفقه الله تعالى بإيجاد عمل محترم، وقد أحبه زملائه جداً لحسن طباعه وعفويته التي يتعامل بها مع الغير.

بالرغم من ذلك فقد كان يعيش وحيداً وكأنما الكون خلا من حوله، فلا تراه يخالط إلا نادرا، ولم يستهوي الحياة ولا حتى تكوين أسرة، فقد عشق الوحدة وعشقته.

كان يعرف بكلمة يسمعها للجميع ( حبي) أو ( حبيب قلبي)، حيث كان يعتبر الجميع أصدقائه بالرغم من قة تواصله معهم.

مضت السنون وصاحبنا لا يزال غربته وبالعكس فقد اعتبر الدولة التي بات بها دولته، وزملاء العمل أهله، ومضى على هذا النحو سنين عديدة حتى جاوز الخمسين من العمر، وألمت به أمراض عديدة وهو وحيد لا أهل ولا زوجه ولا أولاد.

عندما كان ينوم في المستشفى كان زائروه زملاء العمل بعكس كل المرضى الآخرين الذين يسمع كلامهم من غرفته.

مرت على صاحبنا أشهر قاسية عانى بها مر الداء، وعناء التنقل بين المستشفيات لوحده، حتى اضطر إلى أن يركب في جسمه جهاز لتنظيم دقات القلب، وأخذ كمية كبيرة من الحبوب الطبي.

وبالرغم من كل تلكم الأمراض إلا أنه لم يكن يشتكي أو يتذمر أو تتلاشى تلك الابتسامة من على وجهه.

وفي يوم من الأيام اشتد المرض به فتم نقله من قبل زملائه في العمل إلى المستشفى القريب وما هي إلا ساعات حتى فارقت الروح الجسد، حيث دخلنا عليه وهو مسجى لتأخذ العبرة كل من عايشه ويحتضن الحزن والألم كل من عرفه.

رحمه الله فقد عاش وحيدا ومات فقيدا عند من أحبه.

 

 

حكاية يوم من الماضي

    { حكاية يوم من الماضي } { مسعود علي المعمري }   استيقظ الأخوان وتغسل...