كل الانظار باتجاه ذلك الباب الذي سيدخل منه القاضي للنطق بالحكم والدقائق تمر كالدهر على الحضور وبين تلك القضبان شاب يافع يتطلع إلى السماء كأنما يناجي ربه أني برئ وأنت أعلم والدموع تحرق وجنتيه يتمسك بالحديد كمن يتمسك بالحياة، لست مجرماً فأنا برئ ولم أفعل شيئاً يرددها في نفسه، ينظر إلى أباه الذي منذ أن تم القبض عليه لم يشأ حتى بمحادثته، صدقني يا أبي أنا لم أفعل ما يستحق سجني يقولها في نفسه، لكن من كان يسمعه قبل أن يصدقه فكل الأدلة تشير إليه، يثق بأن الحقيقة ستظهر يوماً لكن متى لا يعلم وأين ذلك الأمل الذي يتمناه أن يظهر لم بدأ ضوئه يأفل ويكاد ينطفئ، أين الشاهد الغائب، هل يعقل أن تنكر للجميل.
لحظات ويدخل القاضي فيقف الجميع وصاحبنا بالكاد تسعفه قدماه على الوقوف يجلس القاضي والكل ينظر إليه فينظر للقابع خلف القضبان، ثم يتلوا الحكم الصادر بالإدانة والحكم بالإعدام.
لم يبكي أو يصرخ بل ظل يردد وصوت خافت إني برئ ولست مجرماً لكن كل الآذان كانت صماء والهدوء الذي ساد المكان لم يقطعه سوى صرخة تلك الطفلة والتي قالت بصوت عال لا تقتلوا أخي وركضت إلى الزنزانة وهي تردد لا تتركني فأنا أحبك.
لقد ظل يردد وعلى مدار جلسات المحاكمة أن لديه شاهداً لكنه لم يظهر، فمن ذلك الشاهد الغائب؟ وما قصة المتهم البرئ؟ وهل تم إعدامه؟ هذا ما سنسرده أدناه.
منذ سنوات بعيدة قرر أبو أحمد الزواج بعد قام بتوفير المستلزمات لذلك منها المهر والبيت وأوكل المهمة لأمه كونه يعمل في مدينة أخرى، وقد ارتأت الأم أن تزوجه لبنت من معارفها حسب الزواج التقليدي فقامت باختيار البنت التي تراها مناسبة وأبلغت الابن بذلك والذي لم يعارض اختيار والدته وفعلاً تمت الخطوبة وتلاها كتابة عقد النكاح والزواج والانتقال للبيت الجديد، مضت الأيام والشهور فإذا بتباشير الفرح تعم ذلك البيت معلنة قدوم المولود الجديد وكانت سعادة الأب غامرة بحيث قدم على إجازة استثنائية ليكون قريباً من أحمد وهو الاسم الذي أطلقه على المولود، وعندما عاد إلى عمله كان قلبه متعلقاً مع ذلك الطفل الجميل وبخاصة أنه بعيداً عنه وفي مدينة أخرى.
مضت الأشهر وقلب لأب يتعلق يوماً بعد يوم بأحمد وبخاصة عندما يسمع كلمة أبي، ومضت السنون والابن والمحبة تزداد في قلب الأب والأم على السواء.
وفي يوم مرضت الأم مرضاً شديداً وتم تنويمها في المستشفى والأب مازال في العمل، وعندما علم بمرض زوجته عاد سريعاً لكن القدر كان أسرع منه، فقد ماتت الزوجة.
مضت الأيام والأشهر والابن بين بيت الجدة عند ذهاب الأب للعمل وبيت الوالد عند عودته، دخل المدرسة ومن أول يوم استعاد ألم الفراق لأمه حين رأى جميع أصحابه ويدهم بيد أمهاتهم يربتون على أكتافهم ويمسجون على رؤوسهم إلا هو فلا أم له لكي تمده بالحنان وتوصله إلى صفه، فقد أتى به عمه الذي سلمه لأحد المعلمين وانصرف لعمله.
كل ما مضى لم يهزم عزيمته على الاستمرار والتفوق في مراحل الدراسة، فكان التحصيل الجيد في الدراسة ما يناله في كل مرحلة حتى أنهى المرحلة الابتدائية، حيث فقد وللمرة الثانية حنان الأم بوفاة الجدة التي كانت تعتني به.
كان من عادة أحمد أن يزور قبر أمه كل جمعة للدعاء لها ومحادثة تلك النائمة تحت التراب، وعند وفاة الجدة ذهب يخبرها أنها هي الأخرى قد تركته وأنه يفتقدها، ويرجوا أمه كي تزوره في المنام ليتحدث إليها فلا أنيس له الآن بعد رحيل الجدة وعمل الاب في مدينة أخرى.
بعد مضي فترة قليلة قرر الأب الزواج، وفعلاً اختار من رآها تناسبه وتم عقد الزواج، ونقل زوجته لبيته، فكانت المرأة ودودة وطيبه وكانت تعامل أحمد كأنه ابنها حتى عندما أنجبت ابنتها كانت تقف على كل شؤونه، وكذلك أحمد أحبها وأحب أخته الصغرى فكان كلما عاد من المدرسة يذهب للبحث عنها وملاعبتها وملاطفتها.
ترعرع الفتى وأصبح يافعاً فكان لم يقطع عادته بزيارة قبر أمه وجدته وهذه المرة لم يكن لوحده بل أصبحت أخته رفيقته التي لا تكاد تفارقه أينما ذهب، وفي يوم عيد مولدها قامت العائلة بعمل حفلة صغيرة بهذه المناسبة وقبل أن يقطعوا الكعكة اختفى أحمد لوهلة والأب ينادي عليه وفجأة ظهر وبيده هدية مغلفة قدمها لأخته مما زاد من سعادتها ورسم الفرحة في وجه الأب والعمه، وبعد الانتهاء من تناول الوجبة سأل الأب أحمد من أين لك بالمال لشراء هدية؟ إنها حصيلة ما أوفره من مصروفي يا أبي أجاب أحمد.
مرت السنون وأصبح أحمد في الصف الثالث الثانوي لكن وبرغم تفوقه إلا أن فكرة العمل كانت تحول في ذهنه مطلقة جناحيها في كل أرجاء عقله لتنادي عليه أنك لا يجب أن تذهب للجامعة فذلك سيزيد الأعباء على والدك من سكن ونقل ومعيشة ما جعل منه شخص محتار بين أمرين إما التفوق ودخول الجامعة لمستقبل مرموق مع الضغط على الأب وتحميله حمل الدراسة فوق حمله أو العمل ومساعدته.
ذلك الضغط العصبي ولد لديه الشتات الفكري والذي لم يكن ليمكنه من اجتياز الاختبارات النهائية بالنسبة المطلوبة لدخول الجامعة، فكان وقع الخبر على الوالد كالصاعقة وهو من كان يحمل الأمل بداخله ليكون ابنه في الجامعة ومن ثم يحصل على وظيفة ويغدوا ذا شأن ليفخر به بين أصدقاءه وأهله، لكن شمعة ذلك الأمل انطفت.
في جلسة للعائلة بعد تناول وجبة الغداء قال أحمد لوالده أنه يرغب بالعمل، وقبل أن ينطق الأب تدخلت العمه وباركت تلك الخطوة لعلمها بما يعانيه الأب، فقال الأب لا مانع لدي ولدي صديق عنده ورشة لتصليح السيارات فنذهب سوياً إليه لتتعلم منه الحرفة وبعدها تستطيع أن تكون نفسك لتتمكن من إنشاء ورشة مستقلة بك وبخاصة أن لها مردود مادي جيد.
وفعلاً بعد ذهاب الأب وأحمد تم قبوله ومباشرة العمل على الفور، ومضت الأيام وأحمد يتعلم كل يوم شيء جديد حتى أوكل إليه صاحب الورشة تصليح بعض السيارات لوحده بعد أن رأى منه سرعة التعلم والمقدرة.
مضت الأشهر وأحمد يعمل من بداية النهار إلى آخره، وفي يوم من الأيام وهو عائد إلى منزله بعد انتهاء العمل صادف صاحب سيارة متعطلة في الطريق، ماذا حصل يا عماه وهل تود المساعدة؟ قال أحمد، فشرح له صاحب السيارة العطل فقام أحمد بفحص السيارة والعمل عليها حتى أصلحها وقد استغرق منه ذلك ساعتين من الوقت، شكر الرجل أحمد وأعطاه أجرة عمله بعد إصرار ومضى لسبيله ورجع أحمد لمنزله، وعند وصوله تفاجأ بعدد من الناس خارج المنزل فمضى يسرع الخطوات ويسأل الحضور عن الحاصل، حتى دخل البيت ورأى الشرطة وعدد من الناس لم يميزهم ساعتها وعندما رأته أخته ركضت باتجاهه وهي تبكي وتقول أمي ماتت، عندها تقدم له أحمد رجال الشرطة وسأله هل أنت أحمد؟ نعم رد أحمد فقال له أن زوجة أبوه قد وجدت مقتولة، وسأله عن أباه فقال أنه يعمل في مدينة أخرى.
تم نقل الجثة للمشرحة حيث تبين أنها تعرضت للخنق واستدعاء الأب وحضوره وتمت عملية التحقيق حيث تبين أنه لا توجد دلائل على عملية اقتحام للمنزل وأن من قام بالجريمة دخل بطريقة معتادة للمنزل وأن المقتولة ذات سيرة حسنه وخلق جيد.
وتم التحقيق مع ساكني المنزل حيث ثبت أن الأب في مدينة أخرى، عندها توجهت الأنظار لأحمد وبسؤاله أفاد بأنه وأثناء عودته من العمل وجد شخص متعطل في الشارع فقام بمساعدته وإصلاح سيارته وهو الشاهد الوحيد لديه ولكن أحمد لم يكن لديه معلومات عن السائق سوى نوع السيارة، فتم اقتياده للحجز كمتهم، وفي التحقيق كان ينكر التهمه ويؤكد أنه بريء واستمرت الجلسات على هذا النحو وقد سعى المحامي بكل الطرق ليظهر الشاهد حتى استخدم الاعلام إلا أن محاولاته كلها فشلت فتم الحكم على أحمد بالقصاص.
وفي يوم تنفيذ الحكم وأثناء اقتياده لحبل المشنقة ظهرت قصته على التلفاز وكان ممن رأى التلفاز نزيل بالمستشفى صقع لما سمع القصة ونادى بأعلى صوته على الممرض والذي حضر على الفور فقال له أنه هو الشاهد المقصود حيث التقى بالشاب قبل الحادث الذي تعرض له والذي نتج عنه دخوله في غيبوبة لعدة أسابيع.
عندها تم التواصل مع المدعي العام لإيقاف حكم الإعدام، لكن السيف سبق العذل فقد تم شنق أحمد المتهم البريء.
مات أحمد ليوقظ في قلب أبيه معنى الندم والألم.
مات أحمد لتبقى أخته يتيمه الأم وبلا عضيد.
مات أحمد لتبقى الحقيقة حية ترجوا من يبحث عنها.
مات أحمد لنتعلم أن لا نتسرع بالحكم وأن الشك لا يقطع اليقين.
مات أحمد لنتعلم أن لا نتخلى عن من نحب بسهولة.
ماذا لو:
صدق الأب أحمد وهو أعلم بتربيته وحبه لعمته وأخته وحارب لأجله.
ماذا لو:
أخذت الشرطة تفاصيل سيارة الشاهد وبحثت أكثر.
درست الدوافع للجريمة ومحاولة إثبات الجرم بأكثر من مجرد إثبات مكان التواجد.
ماذا لو:
أخذ بالاعتبار أنه دليل ضعيف وحكم بالسجن لا بالقتل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق