قصة عطش الصحراء
بقلم: مسعود علي المعمري(أبو علي المطروشي)
أتو به محمولاً على الأكتاف، مغطى بلحافٍ، هزيلاً أماته العطش، وصوتً ينادي "الحاج عبد الله الحاج عبد الله" ، يخرج الحاج عبد الله ماذا هناك يقول فيرد المنادي لقد وجدنا ابنك لكنه قد فارق الحياة.
كلماته نزلت كالصاعقة على الحاج عبد الله وشخصت عيناه وهو يرى فلذة قلبه محمولا على الكتاف، يجري باتجاههم كأنه فاقد العقل ليحتضن تلك الجثة الهامدة، وكأن الميت يقول له ليس ذنبي أن تموت الثقة ليس ذنبي أن تنطفي من قلبك نسمات الرحمة، لم يعد بالإمكان أن تبرر أن تشرح أن تحب أن تعطف، أنت تحنو على ميت غر قتلته بدون أن تشعر، فجهز كفنُي يا أبي فما عاد للزرع سقي، وما عاد لي صوتُ ينادي كل صبح وغادي "يا أبي يا أبي".
الحاج يحضن الجسم الهزيل والحضور بين بكاءٍ وعويل، يستخلصون الجثة من بين يديه ويحملونها للمغسل، والأب يبكي أرجعوه وهو يبكي بحرقة نادماً على ما فعل يرجوه أن يعود حتى يعوضه على ما فات، لكن هيهات هيهات.
فما قصة الحاج عبد الله وابنه الميت أحمد، أحكي تفاصيلها كالتالي:
في إحدى القرى الصحراوية نشأ أحمد في بيتٍ كبيرٍ في المقام فأبيه من أكابر القرية، وعاش بين كنف أبيه وأمه حتى بلغ العشر وكان حسن المعشر طيب القلب ذو همةٍ عالية وأخلاق راقية، وبعد مرور أيام ماتت الأم فحاصره الهم، حتى أصبح يخلوا بنفسه كثيراً على كثبان الصحراء ويعود في المساء.
ومرت الأشهر حتى قرر الأب الزواج فاستشار أحمد الذي لم يعترض وبخاصة أن أبيه بحاجة لمن يخدمه.
فتم زواج الأب بمباركة الابن المحب، ومر على ذلك سنتان، والزوجة تشاهد حنو الأب على الولد وحب الأبن للأب، فدخلت الغيرة في نفسها وبخاصة أنها لم ترزق بمولود للآن وكرهت للأبن كل ذلك الحنان، وخيل لها الشيطان أن لو كان ذلك الحنان كله لها لا يشاركها فيه أحد، لكنها استدركت ذلك وتعوذت من إبليس فكيف لها أن تفكر مجرد تفكير بأن تؤذي أحمد وهو المطيع لها كالإبن وبخاصة أنها لم تنجب ولا يوجد من يأنس وحدتها في البيت غيره عند انشغال الزوج.
وفي يوم من الأيام وعند الظهيرة وفي زيارة جارات الزوجة وهو التجمع اليومي لبعض نساء القرية عندها، طلبت إحدى النساء منها بعض المصوغات لتتزين بها في زواج أحد أقاربها، فقامت لإحضار ما طلبته تلك المرأة لكنها لاحظت اختفاء بعض مصوغاتها، فأصابتها الدهشة لكنها لم تنطق بأي كلمة ساعتها.
وعند عودة الزوج للدار أبلغته عن الواقعة، وبحكم أنه لا يوجد في الدار سواهما وأحمد فقد وجه الاتهام لأحمد، فعاتبه عتاباً شديدا وأحمد ينفي ما يوجه إليه من اتهام ويقسم أنه لم يسرق أي شي ويؤكد لأبيه ذلك ودليله على ذلك أنه يخرج من الدار كأبيه ويعود إليه عندما يعود، عندها أشفقت الزوجة على أحمد وقالت للأب باحتمال أنها قد أعطت إحداهن تلك المصوغات ونسيت أو أن أحداً دخل الدار في غيابها عند زيارة أقاربها، فهدأ الأب إلا أن عيناه كانت ترمي أحمد بسهام الاتهام.
ومرت على تلك الحادثة بضعت أشهر فإذا بسيف الأب يختفي من الدار، عندها قام الأب بصب جام غضبه على أحمد وطلب منه احضار السيف في الحال لكن أحمد مازال يردد أنه لم يأخذ السيف وما مصلحته في ذلك وأنه لن يستفيد منه فيما لو أخذه ولم يكن ليستطيع بيعه وبخاصة أن أهل القرية يعرفون سيف الأب وهو كذلك ليس بحاجة للمال وأيضاً ليس من أخلاقه أن يأخذ ما لا يخصه، لكن الأب لم يكترث بتلك الحجج، وفي ثورته تلك قام بطرد أحمد من الدار وأمام أهل القرية صرح بأن ابنه سارق، وبسبب نظرات الأهالي بين متعجب ولائم قرر أحمد مغادرة القرية بعد أن صار في الدونية بنظر الأهالي.
خرج أحمد من القرية ودموعه تشق على وجنتيه خطاً أحمر، لتسقط على الأرض وتذوب فيها كما ذابت كبرياء صاحبها، يمشي بين تلك الكثبان بلا صاحب ولا أنيس يجلس على تلك التلة ليحاكي نفسه ويتساءل لماذا حصل ما حصل، لكن تساؤله لم يدم طويلاً فحرارة الشمس لم تكن لترحمه، لهذا نوع قميصه وغطا به رأسه وأكمل مسيره لكن إلى أين؟ لا يعلم.
مشى كثيراً فأحس بالعطش لكنه نسى أي يجلب معه الماء أو الأكل عند خروجه من القرية، فلم في مقام ليتذكر ذلك.
اشتد عليه العطش فأخذ ينظر هنا وهناك لعله يرى ماء أو رحالة أو قرية يستغيث بها، لكنه لم يرى شيئاً حتى أتى الليل فنام بعدما أجهده المسير ليستيقظ بعد أن لفحته الشمس ويتابع المسير باحثاً عن أي مكان يجد به الماء، وطال المسير بلا فائدة، وقد أرخى الليل استاره على تلك الصحراء، فنام وهو ينظر للسماء وأغلق عينيه في هدوء.
في الصباح الباكر أصوات تتعالى من قريب "إنه هنا لقد وجدناه"، أحدهم ينادي انهض يا أحمد، لكن أحمد لا يجيب يهزه ولكن بلا فائدة، يتحسسون جسده فإذا به قد فارق الحياة.
وجدوا أحمد لكنهم لم يجدوا الفاعل.
وجدوه ميتاً لكنهم لم يجدوا ذهب الزوجة وسيف الأب.
عرفوا أنه مات ولم يعرفوا من كان الفاعل.