الأحد، 6 سبتمبر 2020

قصة الغريب

 قصة الغريب

كتبها: مسعود علي المعمري

في تمام الساعة الواحدة ظهراً، رن هاتف مدير المباحث حيث تم إعلامه عن وقوع حادث سقوط أحد عمال البناء من أعلى المبنى ما أدى لوفاته على الفور، فتحرك من فوره إلى المكان وبمعيته بعض أفراد الشر وأفراد من مسرح الجريمة.

عند وصوله قام بمعاينة الجثة فإذا به شاب في مقتبل العمر يرقد والدماء تغطيه، فقام باستدعاء مسؤول البناء وأخذه لمكان السقوط وكان أعلى البناية على علو أربع طوابق.

بعدها قام بسؤال العمال منفردين عن مكان تواجدهم وعلاقتهم بالقتيل وعن سلوكه وتصرفاته، وهل لديه أعداء؟ وهل حدثت مشاجرة أو سوء تفاهم بينه وبين أحد؟ فأكد الجميع حسن أخلاق الضحية ونشيط في عمله ومقرب من الجميع إلا أنه وقبل يومين حضر شخصين وسألوا وعطوا أوصافه إلا أنه تهرب من لقائهما وتوارى عن الأنظار حتى رحلا.

عندها أمر مدير المباحث بعرض الجثة على الطبيب الشرعي كإجراء روتيني ليقينه بأن الحادث عرضي واحتمال أن الضحية قد زلت قدمه فسقط وأمر بأخذ عنوان أهله لإبلاغهم.

وعاد إلى مكتبه وفي ذهنه صورة ذلك الضحية والألم يعصر قلبه وبخاصة أن الضحية في عمر ابنه سمير، وما هي إلا دقائق حتى دخل عليه النقيب خالد ليفجر في وجهه مفاجأة، فالضحية بلا عنوان معلوم ولا توجد معلومات عن أهله وأنه من غير أهل البلد كما أخبر بذلك مسؤول البناء، غير أنه كان هناك رجل عجوز يحضر له الأكل بشكل يومي، ولا معلومات أخرى غير أن اسمه غريب كما أخبرهم سابقاً.

فما قصة الغريب؟ وكيف السبيل للوصول إلى أهله؟ أسئلة كثيرة في ذهن مدير المباحث بدون إجابات، جلس على كرسيه وفجأة تذكر العجوز الذي أخبر به مسؤول البناء فما قصة العجوز ولم لم يحضر بتلكم اليوم، فقال لمساعده ربما أن العجوز من أهله أو يعلم شيء عنه لذا أطلب إليك التحري عنه واحضاره.

بعد انتهاء فترة عمله رجع رئيس المباحث إلى بيته وعند دخوله رأى صورة ابنه سمير فتراءت له صورة ذلك الشاب الذي غادر الدنيا ولم يرى منها سوى القليل وتصور حياته وأب بؤس قد عاشه وهو بهذا الجسم الضئيل يعمل في مهنة لا يطيقها الكبار وأقرانه في الجامعات.

وفي اليوم الثاني دخل مكتبه وبعد أن شرب قهوته طلب من مساعده احضار التقرير الشرعي، فناوله إياه وعندما فتحه كانت المفاجأة، التقرير يثبت تعرض المغدور لطعنة بآلة حادة من الخلف بطول سبعة انش، إنها جريمة قتل قال رئيس المباحث ولكن من قد يقدم على هذا الفعل مع هذا الشاب وقد وصف بطيب الخلق.

في قاعة الاجتماعات جلس الجميع يناقش هذه القضية لإيجاد خيوط أو مؤشرات تدل على المجرم وعمل تحليل للوقائع لحل هذا اللغز، وتم استعراض حصيلة البحث في موقع الحادثة والذي بدوره لم تكن محصلته ما يفيد القضية، فقال مساعد رئيس المباحث ما لفت انتباه الجميع بخصوص العجوز الذي كان يحضر الطعام للعجوز وأنه وللآن لم يتم التوصل له.

بعد برهه دخل الشرطي ليبلغ رئيس المباحث بأن هناك شيخاً كبيراً يطلب مقابلته ويلح في ذلك، فخرج إليه وبعد قليل دخل ومعه الشيخ المسن وهو يقول ربما وجدنا ضالتنا المنشودة.

فسأله رئيس المباحث ماذا جاء بك يا والدي؟ فرد المسن اني قد جئت إليكم لأدلي بمعلوماتي عن المغدور غريب، فقال رئيس المباحث: وهل اسمه غريب فعلاً؟ فقال المسن: نعم حسب روايته.

ماذا تعرف عنه؟ قال رئيس المباحث، فقال المسن: سأروي لكم الحكاية من البداية.

قبل سبعة أشهر وبعد انتهائي من صلاة الفجر وكعادتي انتظر بزوغ الفجر وعلو الشمس قليلاً لكي أصلي ركعتين وأعود للمنزل، وبالفعل بعد بزوع الشمس بقليل صليت ما قدر الله لي وهممت بالمغادرة، لولا أنه استوقفني منظر ذلك الشاب الجالس بزاوية المسجد والحزن والانكسار يبدوان عليه، فاقتربت منه فإذا هو شاب يملك من حسن المظهر الكثير لولا ذلك الجسم الضئيل، وعندما رآني حاول أن يخفي وجهه بعدما شاهدت قطرات من الدموع على وجنتيه الطرية، فسألته ما بك يا بني؟ ولم الدموع على خدك؟ أجاب: لا شيء يا عماه، هموم الدنيا، فتعجبت ألمثل من في عمره هموم! قلت له: احكي لي حكايتك فربما استعطت مساعدتك، فقال حسناً يا عماه.

أنا اسمي غريب وأنا لست من أهل هذه البلاد بل من بلاد أخرى وليس لي أهل أو معارف هنا، ووالدي من أثرياء تلك البلد، كنا نعيش بسعادة وهناء حتى عكر صفو سعادتنا الخلافات التي كانت تقع بين أبي وأمي، ومع الأيام زادت تلك الخلافات فأحدثت فجوة في العلاقة بينهما مما أدى إلى الطلاق، وبعد أيام تزوج أبي بامرأة أخرى، ومن بداية حضورها للمنزل وهي في ضيق من تواجدي معهما فكانت تظهر حقدها وغضبها علي وتنهرني على أتفه الأسباب، وكان حالي يزداد سوءاً يوم بعد يوم حتى اتخذت مني خادماً لها ولم يكفها ذلك بل صارت تلح على أبي ليطردني من البيت وكل مرة تأتيه بكذبه، وفعلاً قام أبي بطردي وهي بدورها منعتني حتى من أخذ حاجياتي.

فذهبت إلى أمي التي تزوجت هي الأخرى، مناشدا نبع حنان الأم فأنا وحيدها ولكن زوجها المتسلط منعني من الاقامة معهما، ووقفت أمي عاجزة بلا حول ولا قوة ولم تجرأ حتى بالدفاع عني.

فخرجت أهيم على وجهي حتى استقريت بهذا المكان وقد صار لي ثلاث أيام لم أذق طعم الراحة أو الأكل الجيد، وعندما أنهى الشاب كلامه أخذته معي لمنزلي الذي يشاركني فيه أخي وابنته وابني علي، وقصصت على الجميع حكايته واقتراحي في أن يعيش معنا بطرف الدار فوافق الجميع عدا ابني علي الذي أبدى امتعاضه من وجود غريب بيننا، ولكن مع إصرارنا وافق مرغم، فعاش معنا ولم نرى منه سوى حسن الخلق، وبعد أيام أتى يخبرنا أنه وجد عملاً وهذا العمل هو عامل بناء.

وكان كل نهاية يوم يحضر ويسلمني أجرة يومه، ولحسن معاملته فقد أحببناه كما لو كان ابننا بالرغم من المعاملة القاسية التي كان يتلاقها من ابني علي، فكثيراً ما كان يهينه خاصةً عندما كان يراه يحادث ابنت أخي، وكنا نشعر بمدى الكره الذي يكنه علي على غريب، وحاولت جاهداً انتزاع هذا الكره من صدر ابني.

وفي يوم الحادثة وعند تناول وجبة الفطور قال علي لعمه إني أريد الزواج من ابنتك ريم، فرد عليه عمه بأن ريم ما زالت صغيرة، فرد علي هل هي صغيرة أم تريد تزويجها للمتشرد ( يقصد غريب) فقلت له: عيب يا علي واستحي واحترم عمك واعتذر منه، وطبعاً غريب لم يكن موجود لارتباطه بالعمل، فخرج علي وقد انتابته نوبة غضب شديدة.

بعد فترة أعدت ريم وجبة الغداء لغريب فقمنا وكعادتنا أنا وأخي بأخذ الوجبة والتوجه إلى موقع البناء، وصعقنا عندما سمعنا بأن غريب قد سقط من فوق البناء ومات، بعدها أجهش المسن بالبكاء.

إلى هنا ومع نهاية المسن لروايته يبقى السؤال المحير، من قتل غريب ولماذا؟

هل فعلها علي ابن المسن، أم الرجلان اللذان كانا يسألان عنه.

وهل ما قصه غريب للمسن صحيح أم هناك أحداث أخرى.



قصة زمن

 قصة زمن

فوق أطلال المنازل وبين سكك الحارة الغائبة تتهادى خطوات الراحلين، أسمع صوت جاري صداه لا يفارق المكان ومن بعيد ذلك ينادي وأطفال يضحكون ،هنا أثر لذاك وهنا كنا نركض وهنا كنا نلعب وهناك كنا نتسامر، وكأن أصوات الطفولة لا تفارق الحنين وفوق تلك الشجرة كنا نلهو وبظلها كنا نحتمي من حرارة الشمس حتى صارت هي الأخرى تشكو غياب المؤنسين، تمايلت أغصانها ورق جذعها فانحنت تقبل الأرض امتناناً وترجوها لتضمها كما ضمت أناسها الغالين، وهذا بيتنا وهذا مكان العريش حيث كنا نصحو بفجر لنجد النار وأمي تخبز فنجري لنتجمع حولها طالبين الدفئ فتناولنا الخبز والشاي ويقبل أبي بابتسامته المعهودة ويقول وقت العمل قد حان، نعم إنه وقت قطف الليمون فنتراكض للسيارة اللاندروفر فنركب في الخلف (الكريل) وتجري بنا في الحارة وسط صخب من أصوات أهل الحارة كلا ينادي من هنا وهنا على أهله للذهاب إلى المزرعة وآخر يطلب الفطور وبين ماشي وراكب في إتجاه واحد وهو الشرق حيث المزارع والضواحي، نصل فنجد هالة من الناس كلاً يعد نفسه للمساعدة وكأنهم يداً واحدة وبفكر واحد يتم التوزيع بين من يقطف ( بالمعساف أو المحيان ) وبين من يجمع وبين من يحملها في السيارة للذهاب بها إلى المصطاح ( مكان تجفيف الليمون) هنا تتجلى روعة ذاك الزمان بالتكاتف والتعاون والتجمع على مائدة واحدة وسواليف الضحى.

تنطوي صفحة لتفتح صفحة أخرى من ذاك الزمان، هنا أستذكر التحضير لجداد النخيل (قطع أعضاق النخيل ) وما يسبقه من ترتيبات كتحدير عضق الرطب والخراف من النخيل والمعدات اللازمة للجداد مثل ( جواني لحفظ التمروليلال والمخرافة والقفير وزفان الدعون لتجفيف التمر عليها وغرفة خاصة لوضع التمور بها لإستخراج الدبس ).

وتبدأ الاستعدادات لعملية جداد النخل بجز السعف وتجميعه وتخريسه بالماء لتبدأ بعدها عملية زفانه الدعون حيث كانت أول محاولة تبدأ على فترتين ( من بعد صلاة الفجر إلى الضحى المتأخر ومن بعد صلاة العصر ليتم إنجاز المطلوب.

بعدها تتم وعلى التوالي الجداد وتنقية الصالح للأكل ومن ثم نشره على الدعون يليه تجميعه في جواني وبعدها تخزينه لاستخلاص الدبس منه حيث توضع الجواني على مكان مهيئ لذلك تكون الأرضية به انسيابية وبها أفلاج صغيرة معدة بالإسمنت.

نطوي صفحة المزارع لنفتح صفحة أخرى للذكرى حيث تمر بنا على تلك الشواطئ التي كانت يوما فأصبحت غالية أبية لا ندخلها إلا بتصريح، حيث كان الصيادين وقبل بزوغ الفجر على تلك الشواطئ والمكان يعج بالضجيج بين راكب لشاشة وقارب وبين ضغوة وكلاً للرزق طالب.

ونأتي لنستذكر الدين والإيمان في حلقات تعليم القرآن حيث تلك الغافة التي باتت جافة أكلها الدهر وغادرها الأهل فلا صوت لقرآن يتلى ولا مستظل بها يهنأ.

ونصل لحسن الجوار حيث البيوت مفتوحة كقلوب ساكنيها حيث لا باب يسد ولا ضيف يرد حيث لا جرس للباب ملاصق سوى صوت الطارق، فهذا بيت جاري كبيتي وداري أدخل منذ سنين لأشرب الشاي أمام الكرين، وصفة التبادل قائمة فالأكل للجار نصيب منه وما ينقص من هنا يؤتى به من هناك وترى الصحون سائرة وبالحارة دائرة وكل في سرور وعلى البيوت يدور.

ولن ننسى الأعراس ولطف ذلك الاحساس، وسرد بعض الحكايات لما مضى وفات. لكن في المرة القادمة.

يتبع في المقال القادم،،،

كتبه: مسعود بن علي المعمري


قصة لست مجرما

 كل الانظار باتجاه ذلك الباب الذي سيدخل منه القاضي للنطق بالحكم والدقائق تمر كالدهر على الحضور وبين تلك القضبان شاب يافع يتطلع إلى السماء كأنما يناجي ربه أني برئ وأنت أعلم والدموع تحرق وجنتيه يتمسك بالحديد كمن يتمسك بالحياة، لست مجرماً فأنا برئ ولم أفعل شيئاً يرددها في نفسه، ينظر إلى أباه الذي منذ أن تم القبض عليه لم يشأ حتى بمحادثته، صدقني يا أبي أنا لم أفعل ما يستحق سجني يقولها في نفسه، لكن من كان يسمعه قبل أن يصدقه فكل الأدلة تشير إليه، يثق بأن الحقيقة ستظهر يوماً لكن متى لا يعلم وأين ذلك الأمل الذي يتمناه أن يظهر لم بدأ ضوئه يأفل ويكاد ينطفئ، أين الشاهد الغائب، هل يعقل أن تنكر للجميل.

لحظات ويدخل القاضي فيقف الجميع وصاحبنا بالكاد تسعفه قدماه على الوقوف يجلس القاضي والكل ينظر إليه فينظر للقابع خلف القضبان، ثم يتلوا الحكم الصادر بالإدانة والحكم بالإعدام.

لم يبكي أو يصرخ بل ظل يردد وصوت خافت إني برئ ولست مجرماً لكن كل الآذان كانت صماء والهدوء الذي ساد المكان لم يقطعه سوى صرخة تلك الطفلة والتي قالت بصوت عال لا تقتلوا أخي وركضت إلى الزنزانة وهي تردد لا تتركني فأنا أحبك.

لقد ظل يردد وعلى مدار جلسات المحاكمة أن لديه شاهداً لكنه لم يظهر، فمن ذلك الشاهد الغائب؟ وما قصة المتهم البرئ؟ وهل تم إعدامه؟ هذا ما سنسرده أدناه.

منذ سنوات بعيدة قرر أبو أحمد الزواج بعد قام بتوفير المستلزمات لذلك منها المهر والبيت وأوكل المهمة لأمه كونه يعمل في مدينة أخرى، وقد ارتأت الأم أن تزوجه لبنت من معارفها حسب الزواج التقليدي فقامت باختيار البنت التي تراها مناسبة وأبلغت الابن بذلك والذي لم يعارض اختيار والدته وفعلاً تمت الخطوبة وتلاها كتابة عقد النكاح والزواج والانتقال للبيت الجديد، مضت الأيام والشهور فإذا بتباشير الفرح تعم ذلك البيت معلنة قدوم المولود الجديد وكانت سعادة الأب غامرة بحيث قدم على إجازة استثنائية ليكون قريباً من أحمد وهو الاسم الذي أطلقه على المولود، وعندما عاد إلى عمله كان قلبه متعلقاً مع ذلك الطفل الجميل وبخاصة أنه بعيداً عنه وفي مدينة أخرى.

مضت الأشهر وقلب لأب يتعلق يوماً بعد يوم بأحمد وبخاصة عندما يسمع كلمة أبي، ومضت السنون والابن والمحبة تزداد في قلب الأب والأم على السواء.

وفي يوم مرضت الأم مرضاً شديداً وتم تنويمها في المستشفى والأب مازال في العمل، وعندما علم بمرض زوجته عاد سريعاً لكن القدر كان أسرع منه، فقد ماتت الزوجة.

مضت الأيام والأشهر والابن بين بيت الجدة عند ذهاب الأب للعمل وبيت الوالد عند عودته، دخل المدرسة ومن أول يوم استعاد ألم الفراق لأمه حين رأى جميع أصحابه ويدهم بيد أمهاتهم يربتون على أكتافهم ويمسجون على رؤوسهم إلا هو فلا أم له لكي تمده بالحنان وتوصله إلى صفه، فقد أتى به عمه الذي سلمه لأحد المعلمين وانصرف لعمله.

كل ما مضى لم يهزم عزيمته على الاستمرار والتفوق في مراحل الدراسة، فكان التحصيل الجيد في الدراسة ما يناله في كل مرحلة حتى أنهى المرحلة الابتدائية، حيث فقد وللمرة الثانية حنان الأم بوفاة الجدة التي كانت تعتني به.

كان من عادة أحمد أن يزور قبر أمه كل جمعة للدعاء لها ومحادثة تلك النائمة تحت التراب، وعند وفاة الجدة ذهب يخبرها أنها هي الأخرى قد تركته وأنه يفتقدها، ويرجوا أمه كي تزوره في المنام ليتحدث إليها فلا أنيس له الآن بعد رحيل الجدة وعمل الاب في مدينة أخرى.

بعد مضي فترة قليلة قرر الأب الزواج، وفعلاً اختار من رآها تناسبه وتم عقد الزواج، ونقل زوجته لبيته، فكانت المرأة ودودة وطيبه وكانت تعامل أحمد كأنه ابنها حتى عندما أنجبت ابنتها كانت تقف على كل شؤونه، وكذلك أحمد أحبها وأحب أخته الصغرى فكان كلما عاد من المدرسة يذهب للبحث عنها وملاعبتها وملاطفتها.

ترعرع الفتى وأصبح يافعاً فكان لم يقطع عادته بزيارة قبر أمه وجدته وهذه المرة لم يكن لوحده بل أصبحت أخته رفيقته التي لا تكاد تفارقه أينما ذهب، وفي يوم عيد مولدها قامت العائلة بعمل حفلة صغيرة بهذه المناسبة وقبل أن يقطعوا الكعكة اختفى أحمد لوهلة والأب ينادي عليه وفجأة ظهر وبيده هدية مغلفة قدمها لأخته مما زاد من سعادتها ورسم الفرحة في وجه الأب والعمه، وبعد الانتهاء من تناول الوجبة سأل الأب أحمد من أين لك بالمال لشراء هدية؟ إنها حصيلة ما أوفره من مصروفي يا أبي أجاب أحمد.

مرت السنون وأصبح أحمد في الصف الثالث الثانوي لكن وبرغم تفوقه إلا أن فكرة العمل كانت تحول في ذهنه مطلقة جناحيها في كل أرجاء عقله لتنادي عليه أنك لا يجب أن تذهب للجامعة فذلك سيزيد الأعباء على والدك من سكن ونقل ومعيشة ما جعل منه شخص محتار بين أمرين إما التفوق ودخول الجامعة لمستقبل مرموق مع الضغط على الأب وتحميله حمل الدراسة فوق حمله أو العمل ومساعدته.

ذلك الضغط العصبي ولد لديه الشتات الفكري والذي لم يكن ليمكنه من اجتياز الاختبارات النهائية بالنسبة المطلوبة لدخول الجامعة، فكان وقع الخبر على الوالد كالصاعقة وهو من كان يحمل الأمل بداخله ليكون ابنه في الجامعة ومن ثم يحصل على وظيفة ويغدوا ذا شأن ليفخر به بين أصدقاءه وأهله، لكن شمعة ذلك الأمل انطفت.

في جلسة للعائلة بعد تناول وجبة الغداء قال أحمد لوالده أنه يرغب بالعمل، وقبل أن ينطق الأب تدخلت العمه وباركت تلك الخطوة لعلمها بما يعانيه الأب، فقال الأب لا مانع لدي ولدي صديق عنده ورشة لتصليح السيارات فنذهب سوياً إليه لتتعلم منه الحرفة وبعدها تستطيع أن تكون نفسك لتتمكن من إنشاء ورشة مستقلة بك وبخاصة أن لها مردود مادي جيد.

وفعلاً بعد ذهاب الأب وأحمد تم قبوله ومباشرة العمل على الفور، ومضت الأيام وأحمد يتعلم كل يوم شيء جديد حتى أوكل إليه صاحب الورشة تصليح بعض السيارات لوحده بعد أن رأى منه سرعة التعلم والمقدرة.

مضت الأشهر وأحمد يعمل من بداية النهار إلى آخره، وفي يوم من الأيام وهو عائد إلى منزله بعد انتهاء العمل صادف صاحب سيارة متعطلة في الطريق، ماذا حصل يا عماه وهل تود المساعدة؟ قال أحمد، فشرح له صاحب السيارة العطل فقام أحمد بفحص السيارة والعمل عليها حتى أصلحها وقد استغرق منه ذلك ساعتين من الوقت، شكر الرجل أحمد وأعطاه أجرة عمله بعد إصرار ومضى لسبيله ورجع أحمد لمنزله، وعند وصوله تفاجأ بعدد من الناس خارج المنزل فمضى يسرع الخطوات ويسأل الحضور عن الحاصل، حتى دخل البيت ورأى الشرطة وعدد من الناس لم يميزهم ساعتها وعندما رأته أخته ركضت باتجاهه وهي تبكي وتقول أمي ماتت، عندها تقدم له أحمد رجال الشرطة وسأله هل أنت أحمد؟ نعم رد أحمد فقال له أن زوجة أبوه قد وجدت مقتولة، وسأله عن أباه فقال أنه يعمل في مدينة أخرى.

تم نقل الجثة للمشرحة حيث تبين أنها تعرضت للخنق واستدعاء الأب وحضوره وتمت عملية التحقيق حيث تبين أنه لا توجد دلائل على عملية اقتحام للمنزل وأن من قام بالجريمة دخل بطريقة معتادة للمنزل وأن المقتولة ذات سيرة حسنه وخلق جيد.

وتم التحقيق مع ساكني المنزل حيث ثبت أن الأب في مدينة أخرى، عندها توجهت الأنظار لأحمد وبسؤاله أفاد بأنه وأثناء عودته من العمل وجد شخص متعطل في الشارع فقام بمساعدته وإصلاح سيارته وهو الشاهد الوحيد لديه ولكن أحمد لم يكن لديه معلومات عن السائق سوى نوع السيارة، فتم اقتياده للحجز كمتهم، وفي التحقيق كان ينكر التهمه ويؤكد أنه بريء واستمرت الجلسات على هذا النحو وقد سعى المحامي بكل الطرق ليظهر الشاهد حتى استخدم الاعلام إلا أن محاولاته كلها فشلت فتم الحكم على أحمد بالقصاص.

وفي يوم تنفيذ الحكم وأثناء اقتياده لحبل المشنقة ظهرت قصته على التلفاز وكان ممن رأى التلفاز نزيل بالمستشفى صقع لما سمع القصة ونادى بأعلى صوته على الممرض والذي حضر على الفور فقال له أنه هو الشاهد المقصود حيث التقى بالشاب قبل الحادث الذي تعرض له والذي نتج عنه دخوله في غيبوبة لعدة أسابيع.

عندها تم التواصل مع المدعي العام لإيقاف حكم الإعدام، لكن السيف سبق العذل فقد تم شنق أحمد المتهم البريء.

مات أحمد ليوقظ في قلب أبيه معنى الندم والألم.

مات أحمد لتبقى أخته يتيمه الأم وبلا عضيد.

مات أحمد لتبقى الحقيقة حية ترجوا من يبحث عنها.

مات أحمد لنتعلم أن لا نتسرع بالحكم وأن الشك لا يقطع اليقين.

مات أحمد لنتعلم أن لا نتخلى عن من نحب بسهولة.

ماذا لو:

صدق الأب أحمد وهو أعلم بتربيته وحبه لعمته وأخته وحارب لأجله.

ماذا لو:

أخذت الشرطة تفاصيل سيارة الشاهد وبحثت أكثر.

درست الدوافع للجريمة ومحاولة إثبات الجرم بأكثر من مجرد إثبات مكان التواجد.

ماذا لو: 

أخذ بالاعتبار أنه دليل ضعيف وحكم بالسجن لا بالقتل.


من الذاكرة

 كتبه: مسعود علي محمد المعمري ( المطروشي)

من الذاكرة

أشجار الليمون والنخيل والمانجو والزيتون كانت مثمرة

من الذاكرة

أصوات من الشرق وأنغام محمسة من البحارة للضغوة

من الذاكرة

سوق صحار أمام السبيتار (المستشفى) مكون من خيام متلاصقة بينها حب ( أداة فخارية عمودية كبيرة لحفظ الماء).

من الذاكرة

سيارات تشتغل بالهندل وتعمل لها داركرن فتسمع ذاك الضجيج وصرخت الموتر البهيج

من الذاكرة

اصوات هرن السيارات ( الأبواق) لمن يرغب بالذهاب لصحار.

من الذاكرة

أصوات وضجيج مكائن الكهرباء تعكر كل صفاء.

من الذاكرة

صافرة الفقيد الكابتن محمد خدوم معلنة وجوب الحضور لممارسة كرة القدم وتدريب بلا كلل أو ملل.

من الذاكرة

التجمع لمشاهدة التلفاز ومن سبق المقدمة فاز.

من الذاكرة

التجمع أمام الدكان للعب الدومينو أو الكيرم والخاسر يغرم.

من الذاكرة

لعب طلع النخل على السمر وجماله وقت الظهر.

من الذاكرة

فرحت عودة الحجاج والأعلام الخضر تزين بيوتهم والمراجيح أمام منزلهم وصوغة مكة هديتهم.

من الذاكرة

فرحت عيد الجلوس وانتظار العريبي ( بيدفورد) ليقلنا إلى مكان الحفل أمام قلعة لوى حيث كثير من الفعاليات مثل الرزفة وما يتخللها من مبارزة بالسيف والترس والشعر وأحلى الأبيات ولعب للصغار وفرش لبيع مختلف الأشياء.

من الذاكرة

صلاة الجمعة في مسجد الإمام الربيع بن حبيب حيث تجتمع كل غضفان للصلاة وكانت الصلاة مقصورة على الباحة الخارجية فقط (للرواية آن ذاك بأن قبر الإمام في الداخل فلا تجوز الصلاة أو النظر للداخل حتى لا نصاب بالعمى) وعن نفسي نظرت عدة مرات فما وجدت شئ عدا تخويف شيابنا وكان موقع المسجد مرتفع عن الأرض بما يعادل المتر أو أكثر ودورات المياه عبارة عن أربع حائط لا تتعدى المتر والوضوء من بئر المسجد.

من الذكرة

صوت مدفع الولاية معلناً ومبشراً بأن العيد غداً.

من الذاكرة

صلاة العيد بمقر المصلى الحالي حيث كان الكبار يأدون صلاة العيد ونحن خارج المصلى نلعب ونلهو ونشاغب أحيانا على المصلين بأصوات المفرقات والتي كانت عبارة عن عصا ضخمة من قليلا من سعف النخيل بها ولف تاير سيكل ( أنبوب إطار الدراجة الهوائية) نضع فيه قليلا من الكبريت ونغلقه بمسمار ونضرب به في الشجر أو الأرض الصلبة.

من الذاكرة

صوت البوق ( عضم منحني ) لوالد البلد خديم بن مبارك داعياً للتجمع والاحتفال بالعيد من خلال فن الرزفة.

من الذاكرة

من المحلات التجارية بغضفان في الذاكرة:

الجنوب ( دكان العم صبيح رحمه الله)

الوسط ( دكان الوالد علي المطروشي رحمه الله ودكان ( سيف الغافري رحمه الله)

الغرب ( دكان العم عبدالله الجابري)

النقظة ( دكان العم محمد البلوشي)

جنب المرسى ( دكان حمدان الشيخ)

وهناك ليلام كان يأتي من خارج غضفان.

أمام المدرسة ( دكان العم سالم بن غنام الله يرحمه ودكان العم سالم العامري (المعارف) الله يرحمه.


من الذاكرة

كل من كان يريد أن يكتب طلب أو خلافه عليه أن يتوجه إلى الحاج الكاتب وكان موجود في سوق صحار الشرقي حيث كان السوق في ذاك الزمان، يجلس ذلك الحاج شمال السوق الجديد الحالي بجانب مواقف السيارات وخاصه خطه ذو ذوق خاص وأعتقد أنه كان يكتب بالكوفي ولست متأكدا.

من الذاكرة

تجميع الأهالي لمعدات المدرسة وبنائها على حسابهم الخاص وكانت من الدعون (سعف النخيل).

من الذاكرة

التسجيل للصف الأول، حيث تم تجميعنا ومن ثم النداء بالاسم للانطلاق للصف بين سعيد وباكي وكانت الفصول مختلطة بين ذكور وبنات، وكلا يحمل حقيبته السوداء.

من الذاكرة

تجمع العم سالم الله يرحمه ( حارس المدرسة ) مع بعض الأهالي لقهوة الضحى تحت الغافة شرق المدرسة ونحن نلعب كرة القدم.

من الذاكرة

كانت أول مرة أقرأ القرآن في إذاعة المدرسة رغم أن هذه الفقرة كانت مخصصة ل سعيد سهيل الله يرحمه.

من الذاكرة

الاحتفال بعام الشبيبة وعام الزراعة وعام الشباب وعام الصناعة وعام التراث وما صاحبها من فعاليات.

من الذاكرة

لعب الورق وقت الظهيرة في الغرايب ( تكوين من الأشجار الكثيفة المتلاصقة وتعتبر غابة أشجار الغاف)

من الذاكرة

صوت المؤذن العم راشد بن سعيد الله يرحمه

التلاوة الحسنة للعم سالم بن سعيد الله يرحمه

صوت المؤذن والإمام العم محمد بن سعيد حفظه الله

التلاوة الحسنة للعم محمد بن سعيد بن مسعود الله يرحمه

التلاوة الحسنة للخال محمد بن عبد الله الله يرحمه

الإمام سعيد بن محمد إمام مصلى العيد

وهناك المزيد يا غضفان وإن أردت ذكرهم فلن يكفي مقالي

أول مبنى تجاري من طابقين  في غضفان للوالد علي محمد المطروشي رحمه الله

أول عيادة للعم عبد الله النزواني حفظه الله

أول مكتبه للعم حسن بن يوسف حفظه الله

أول حارس لنادي لوى مرمى سيف بن علي رحمه الله

من الذاكرة

التجمع في مدرسة الربيع بن حبيب للتصويت على بقاء نادي لوى في غضفان أو نقله إلى مركز الولاية حيث تم نقل النادي إلى مقره الحالي وقد فقد بريقه من يومها.

هذا كان من ذاكرتي وليس رواية سمعتها بل ذكرى استحضرتها.


قصة لست مجرما

 https://youtu.be/H4a18taPbxU

قناتي على اليوتيوب

https://youtube.com/channel/UC-5IhpiWALvgok2A4NP3nTA

حكاية يوم من الماضي

    { حكاية يوم من الماضي } { مسعود علي المعمري }   استيقظ الأخوان وتغسل...