قصة الغريب
كتبها: مسعود علي المعمري
في تمام الساعة الواحدة ظهراً، رن هاتف مدير المباحث حيث تم إعلامه عن وقوع حادث سقوط أحد عمال البناء من أعلى المبنى ما أدى لوفاته على الفور، فتحرك من فوره إلى المكان وبمعيته بعض أفراد الشر وأفراد من مسرح الجريمة.
عند وصوله قام بمعاينة الجثة فإذا به شاب في مقتبل العمر يرقد والدماء تغطيه، فقام باستدعاء مسؤول البناء وأخذه لمكان السقوط وكان أعلى البناية على علو أربع طوابق.
بعدها قام بسؤال العمال منفردين عن مكان تواجدهم وعلاقتهم بالقتيل وعن سلوكه وتصرفاته، وهل لديه أعداء؟ وهل حدثت مشاجرة أو سوء تفاهم بينه وبين أحد؟ فأكد الجميع حسن أخلاق الضحية ونشيط في عمله ومقرب من الجميع إلا أنه وقبل يومين حضر شخصين وسألوا وعطوا أوصافه إلا أنه تهرب من لقائهما وتوارى عن الأنظار حتى رحلا.
عندها أمر مدير المباحث بعرض الجثة على الطبيب الشرعي كإجراء روتيني ليقينه بأن الحادث عرضي واحتمال أن الضحية قد زلت قدمه فسقط وأمر بأخذ عنوان أهله لإبلاغهم.
وعاد إلى مكتبه وفي ذهنه صورة ذلك الضحية والألم يعصر قلبه وبخاصة أن الضحية في عمر ابنه سمير، وما هي إلا دقائق حتى دخل عليه النقيب خالد ليفجر في وجهه مفاجأة، فالضحية بلا عنوان معلوم ولا توجد معلومات عن أهله وأنه من غير أهل البلد كما أخبر بذلك مسؤول البناء، غير أنه كان هناك رجل عجوز يحضر له الأكل بشكل يومي، ولا معلومات أخرى غير أن اسمه غريب كما أخبرهم سابقاً.
فما قصة الغريب؟ وكيف السبيل للوصول إلى أهله؟ أسئلة كثيرة في ذهن مدير المباحث بدون إجابات، جلس على كرسيه وفجأة تذكر العجوز الذي أخبر به مسؤول البناء فما قصة العجوز ولم لم يحضر بتلكم اليوم، فقال لمساعده ربما أن العجوز من أهله أو يعلم شيء عنه لذا أطلب إليك التحري عنه واحضاره.
بعد انتهاء فترة عمله رجع رئيس المباحث إلى بيته وعند دخوله رأى صورة ابنه سمير فتراءت له صورة ذلك الشاب الذي غادر الدنيا ولم يرى منها سوى القليل وتصور حياته وأب بؤس قد عاشه وهو بهذا الجسم الضئيل يعمل في مهنة لا يطيقها الكبار وأقرانه في الجامعات.
وفي اليوم الثاني دخل مكتبه وبعد أن شرب قهوته طلب من مساعده احضار التقرير الشرعي، فناوله إياه وعندما فتحه كانت المفاجأة، التقرير يثبت تعرض المغدور لطعنة بآلة حادة من الخلف بطول سبعة انش، إنها جريمة قتل قال رئيس المباحث ولكن من قد يقدم على هذا الفعل مع هذا الشاب وقد وصف بطيب الخلق.
في قاعة الاجتماعات جلس الجميع يناقش هذه القضية لإيجاد خيوط أو مؤشرات تدل على المجرم وعمل تحليل للوقائع لحل هذا اللغز، وتم استعراض حصيلة البحث في موقع الحادثة والذي بدوره لم تكن محصلته ما يفيد القضية، فقال مساعد رئيس المباحث ما لفت انتباه الجميع بخصوص العجوز الذي كان يحضر الطعام للعجوز وأنه وللآن لم يتم التوصل له.
بعد برهه دخل الشرطي ليبلغ رئيس المباحث بأن هناك شيخاً كبيراً يطلب مقابلته ويلح في ذلك، فخرج إليه وبعد قليل دخل ومعه الشيخ المسن وهو يقول ربما وجدنا ضالتنا المنشودة.
فسأله رئيس المباحث ماذا جاء بك يا والدي؟ فرد المسن اني قد جئت إليكم لأدلي بمعلوماتي عن المغدور غريب، فقال رئيس المباحث: وهل اسمه غريب فعلاً؟ فقال المسن: نعم حسب روايته.
ماذا تعرف عنه؟ قال رئيس المباحث، فقال المسن: سأروي لكم الحكاية من البداية.
قبل سبعة أشهر وبعد انتهائي من صلاة الفجر وكعادتي انتظر بزوغ الفجر وعلو الشمس قليلاً لكي أصلي ركعتين وأعود للمنزل، وبالفعل بعد بزوع الشمس بقليل صليت ما قدر الله لي وهممت بالمغادرة، لولا أنه استوقفني منظر ذلك الشاب الجالس بزاوية المسجد والحزن والانكسار يبدوان عليه، فاقتربت منه فإذا هو شاب يملك من حسن المظهر الكثير لولا ذلك الجسم الضئيل، وعندما رآني حاول أن يخفي وجهه بعدما شاهدت قطرات من الدموع على وجنتيه الطرية، فسألته ما بك يا بني؟ ولم الدموع على خدك؟ أجاب: لا شيء يا عماه، هموم الدنيا، فتعجبت ألمثل من في عمره هموم! قلت له: احكي لي حكايتك فربما استعطت مساعدتك، فقال حسناً يا عماه.
أنا اسمي غريب وأنا لست من أهل هذه البلاد بل من بلاد أخرى وليس لي أهل أو معارف هنا، ووالدي من أثرياء تلك البلد، كنا نعيش بسعادة وهناء حتى عكر صفو سعادتنا الخلافات التي كانت تقع بين أبي وأمي، ومع الأيام زادت تلك الخلافات فأحدثت فجوة في العلاقة بينهما مما أدى إلى الطلاق، وبعد أيام تزوج أبي بامرأة أخرى، ومن بداية حضورها للمنزل وهي في ضيق من تواجدي معهما فكانت تظهر حقدها وغضبها علي وتنهرني على أتفه الأسباب، وكان حالي يزداد سوءاً يوم بعد يوم حتى اتخذت مني خادماً لها ولم يكفها ذلك بل صارت تلح على أبي ليطردني من البيت وكل مرة تأتيه بكذبه، وفعلاً قام أبي بطردي وهي بدورها منعتني حتى من أخذ حاجياتي.
فذهبت إلى أمي التي تزوجت هي الأخرى، مناشدا نبع حنان الأم فأنا وحيدها ولكن زوجها المتسلط منعني من الاقامة معهما، ووقفت أمي عاجزة بلا حول ولا قوة ولم تجرأ حتى بالدفاع عني.
فخرجت أهيم على وجهي حتى استقريت بهذا المكان وقد صار لي ثلاث أيام لم أذق طعم الراحة أو الأكل الجيد، وعندما أنهى الشاب كلامه أخذته معي لمنزلي الذي يشاركني فيه أخي وابنته وابني علي، وقصصت على الجميع حكايته واقتراحي في أن يعيش معنا بطرف الدار فوافق الجميع عدا ابني علي الذي أبدى امتعاضه من وجود غريب بيننا، ولكن مع إصرارنا وافق مرغم، فعاش معنا ولم نرى منه سوى حسن الخلق، وبعد أيام أتى يخبرنا أنه وجد عملاً وهذا العمل هو عامل بناء.
وكان كل نهاية يوم يحضر ويسلمني أجرة يومه، ولحسن معاملته فقد أحببناه كما لو كان ابننا بالرغم من المعاملة القاسية التي كان يتلاقها من ابني علي، فكثيراً ما كان يهينه خاصةً عندما كان يراه يحادث ابنت أخي، وكنا نشعر بمدى الكره الذي يكنه علي على غريب، وحاولت جاهداً انتزاع هذا الكره من صدر ابني.
وفي يوم الحادثة وعند تناول وجبة الفطور قال علي لعمه إني أريد الزواج من ابنتك ريم، فرد عليه عمه بأن ريم ما زالت صغيرة، فرد علي هل هي صغيرة أم تريد تزويجها للمتشرد ( يقصد غريب) فقلت له: عيب يا علي واستحي واحترم عمك واعتذر منه، وطبعاً غريب لم يكن موجود لارتباطه بالعمل، فخرج علي وقد انتابته نوبة غضب شديدة.
بعد فترة أعدت ريم وجبة الغداء لغريب فقمنا وكعادتنا أنا وأخي بأخذ الوجبة والتوجه إلى موقع البناء، وصعقنا عندما سمعنا بأن غريب قد سقط من فوق البناء ومات، بعدها أجهش المسن بالبكاء.
إلى هنا ومع نهاية المسن لروايته يبقى السؤال المحير، من قتل غريب ولماذا؟
هل فعلها علي ابن المسن، أم الرجلان اللذان كانا يسألان عنه.
وهل ما قصه غريب للمسن صحيح أم هناك أحداث أخرى.