الأحد، 6 سبتمبر 2020

قصة زمن

 قصة زمن

فوق أطلال المنازل وبين سكك الحارة الغائبة تتهادى خطوات الراحلين، أسمع صوت جاري صداه لا يفارق المكان ومن بعيد ذلك ينادي وأطفال يضحكون ،هنا أثر لذاك وهنا كنا نركض وهنا كنا نلعب وهناك كنا نتسامر، وكأن أصوات الطفولة لا تفارق الحنين وفوق تلك الشجرة كنا نلهو وبظلها كنا نحتمي من حرارة الشمس حتى صارت هي الأخرى تشكو غياب المؤنسين، تمايلت أغصانها ورق جذعها فانحنت تقبل الأرض امتناناً وترجوها لتضمها كما ضمت أناسها الغالين، وهذا بيتنا وهذا مكان العريش حيث كنا نصحو بفجر لنجد النار وأمي تخبز فنجري لنتجمع حولها طالبين الدفئ فتناولنا الخبز والشاي ويقبل أبي بابتسامته المعهودة ويقول وقت العمل قد حان، نعم إنه وقت قطف الليمون فنتراكض للسيارة اللاندروفر فنركب في الخلف (الكريل) وتجري بنا في الحارة وسط صخب من أصوات أهل الحارة كلا ينادي من هنا وهنا على أهله للذهاب إلى المزرعة وآخر يطلب الفطور وبين ماشي وراكب في إتجاه واحد وهو الشرق حيث المزارع والضواحي، نصل فنجد هالة من الناس كلاً يعد نفسه للمساعدة وكأنهم يداً واحدة وبفكر واحد يتم التوزيع بين من يقطف ( بالمعساف أو المحيان ) وبين من يجمع وبين من يحملها في السيارة للذهاب بها إلى المصطاح ( مكان تجفيف الليمون) هنا تتجلى روعة ذاك الزمان بالتكاتف والتعاون والتجمع على مائدة واحدة وسواليف الضحى.

تنطوي صفحة لتفتح صفحة أخرى من ذاك الزمان، هنا أستذكر التحضير لجداد النخيل (قطع أعضاق النخيل ) وما يسبقه من ترتيبات كتحدير عضق الرطب والخراف من النخيل والمعدات اللازمة للجداد مثل ( جواني لحفظ التمروليلال والمخرافة والقفير وزفان الدعون لتجفيف التمر عليها وغرفة خاصة لوضع التمور بها لإستخراج الدبس ).

وتبدأ الاستعدادات لعملية جداد النخل بجز السعف وتجميعه وتخريسه بالماء لتبدأ بعدها عملية زفانه الدعون حيث كانت أول محاولة تبدأ على فترتين ( من بعد صلاة الفجر إلى الضحى المتأخر ومن بعد صلاة العصر ليتم إنجاز المطلوب.

بعدها تتم وعلى التوالي الجداد وتنقية الصالح للأكل ومن ثم نشره على الدعون يليه تجميعه في جواني وبعدها تخزينه لاستخلاص الدبس منه حيث توضع الجواني على مكان مهيئ لذلك تكون الأرضية به انسيابية وبها أفلاج صغيرة معدة بالإسمنت.

نطوي صفحة المزارع لنفتح صفحة أخرى للذكرى حيث تمر بنا على تلك الشواطئ التي كانت يوما فأصبحت غالية أبية لا ندخلها إلا بتصريح، حيث كان الصيادين وقبل بزوغ الفجر على تلك الشواطئ والمكان يعج بالضجيج بين راكب لشاشة وقارب وبين ضغوة وكلاً للرزق طالب.

ونأتي لنستذكر الدين والإيمان في حلقات تعليم القرآن حيث تلك الغافة التي باتت جافة أكلها الدهر وغادرها الأهل فلا صوت لقرآن يتلى ولا مستظل بها يهنأ.

ونصل لحسن الجوار حيث البيوت مفتوحة كقلوب ساكنيها حيث لا باب يسد ولا ضيف يرد حيث لا جرس للباب ملاصق سوى صوت الطارق، فهذا بيت جاري كبيتي وداري أدخل منذ سنين لأشرب الشاي أمام الكرين، وصفة التبادل قائمة فالأكل للجار نصيب منه وما ينقص من هنا يؤتى به من هناك وترى الصحون سائرة وبالحارة دائرة وكل في سرور وعلى البيوت يدور.

ولن ننسى الأعراس ولطف ذلك الاحساس، وسرد بعض الحكايات لما مضى وفات. لكن في المرة القادمة.

يتبع في المقال القادم،،،

كتبه: مسعود بن علي المعمري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حكاية يوم من الماضي

    { حكاية يوم من الماضي } { مسعود علي المعمري }   استيقظ الأخوان وتغسل...